الدولة الإسلامية قامت بحماية اليهود والنصارى من أهل الكتاب والذمة


الدولة الإسلامية قامت بحماية اليهود والنصارى
من أهل الكتاب والذمة

أحمد عثمان- لندن

أهل الكتاب هو اسم يطلق في الإسلام على أصحاب الديانات السماوية التي يعترف بها الإسلام، وهذه الدیانات هي اليهودية، والنصرانية.

وقد رد الحديث عن أَهل الكتاب في القرآن الكريم, باعتبارهم من أَتباع الديانات التي لا تعبد الأَصنام – مثلها في ذلك مثل المسلمين – بل تؤمن بالله ولا تشرك به شيئا. فهناك حد مشترك يجمع بين المسلمين وأَهل الكتاب, أَلا وهو عبادة الله وحده وعدم الشرك به.

ويبدو أَن أَهل الكتاب – ولو أَن كلمة كتاب هنا تعبر عن المفرد – تعني كل الذين تبعوا الأَنبياء السابقين على النبي محمد, والذي أَنزل الله عليهم كتبا. تقول الآية 213 من سورة البقرة: "كان الناس أَمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأَنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه".

كما جاء في سورة آل عمران: "نزل علَيك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه و أنزل التوراة والإنجيل".

ورغم أَن هناك اتفاق بين أَهل الكتاب والمسلمين على رفض الشرك أَو عبادة الأَصنام, فهم يختلفون في ما بينهم في مسائل أَخرى, مثل قيامة الأَموات بالنسبة لليهود وموت المسيح بالنسبة للنصارى. وبرغم نقاط الخلاف الموجودة بين المسلمين وأَهل الكتاب, فالقرآن يؤكد على ضرورة عدم القتال أَو الصدام بينهم لهذا السبب, بل يتركون لعقائدهم الخاصة بينما يستمر المسلمون في تمسكهم باعتقاداهم كذلك.

وقد جاء بالآية 46 من سورة العنكبوت: "ولا تجادلوا أَهل الكتاب إلا بالتي هي أَحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أَنزل إلينا وأَنزل إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون".

وعندما حول الرسول قبلة المسلمين من المسجد الأَقصى إلى الكعبة بعد وصوله مع المهاجرين إلى المدينة, ظن البعض أَن هذا يعني تغير الوحدة التي كانت قائمة بين أَهل الكتاب. لكن القرآن الكريم جاء لينفي هذه الفرقة, ويؤكد أَن اختلاف القبلة لا يعني نهاية العلاقة الخاصة مع اليهود والنصارى. فقد جاء بالآية 145 من سورة البقرة: "ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابِع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض".


أهل الذمة
أما "أهل الذمة" إصطلاح عرفه الفقه الإسلامي يطلق على من يجوز عقد الذمة معهم, وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى, كما اعتبر المجوس أهل ذمة وأخذت منهم الجزية. واعتبر السامرة والصابئة أهل ذمة بشرط أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصل عقيدتهم. ومعنى ’الذمة‘ التزام تقرير ’توطين‘ أهل الكتاب في ديار الإسلام وحمايتهم مقابل ’الجزية‘.فقد أمر الله المؤمنين بأن تكون دعوتهم طيبة وأن يخاطبوا الناس برفق, فلا إكراه في الدين ولا تهديد. وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية, التي تدعو المسلمين إلى الحوار مع الآخرين برفق, وخاصة من كانوا من أتباع الديانات السماوية الأخرى.

فبعد موت الرسول (ص)وقيام الخلفاء بعد ذلك بمد حدود الدولة الإسلامية خارج الجزيرة العربية, وجدوا كثيرا من النصارى واليهود من أهل الكتاب في البلدان التي فتحوها, فعاملوهم معاملة خاصة باعتبارهم أهل ذمة. أما الصابئون اللاجئون في بلاد الرافدين السفلى فقد كانوا ملاحين ممتازين، صيادي لآلىء في معظمهم، فكانوا يكملون لائحة الذميين، مع الفرس الزرداشتيين، المنتشرين في بلاد الرافدين، والمزدكيين الذين كانوا يقطنون بلاد القوقاز والأمصار الواقعة على ساحل بحر قزوين.

وبشكل عام لم يفرض الحكام العرب أية قيود على ممارسة أهل الذمة لحرياتهم الدينية طوال عصر الولاة، وأظهرت الخلافة الأموية تسامحاً كبيرا تجاه أهل الذمة, فتركت لهم حرية إقامة الشعائر الدينية والاحتفاظ بكنائسهم. وفي عهد العباسيين، كان ينظر إلى الذميين تارة بحلم وتسامح، وتارة بشدة, ومع هذا فقد كانوا يعاملون دائماً بتساهل كبير على صعيد الحريات الدينية. وازدهرت الأديرة والكنائس المسيحية والمناسك والمعابد اليهودية كثيرا, حتى أن الدولة الإسلامية في عهد المأمون، في مطلع القرن التاسع. وفي القرن العاشر ترك للذميون حرية إدارة ذاتهم بذاتهم بإشراف رؤسائهم المختارين من قبلهم, إلى جانب قضاتهم وقوانينهم الخاصة، كما سمح لهم بدخول الوظائف العامة. وسرعان ما صار أهل الذمة أطباء وممرضين عامين ومصرفيين وصرافين وتجار جملة, كما صار بعضهم في عداد الوزراء.

وخلال حكم الدولة الفاطمية عم استخدام أهل الذمة في إدارة شئون البلاد, واكتظت دواوين الحكومة بالموظفين النصارى واليهود خصوصا في العصر الفاطمي الأول. بل كان منهم الوزراء والوسطاء ورؤساء الدواوين, ... كما تم اختيار معظم أطباء قصور الخلافة من بين أهل الذمة, نظرا لبراعتهم في علوم الطب وتركيب الدواء. (أهل الذمة في مصر في العصر الفاطمي الأول, صفحة 27)